التغييرات المناخية واقع تنكره دول الخليج للحافظ على سلطة النفط

التغييرات المناخية واقع تنكره دول الخليج للحافظ على سلطة النفط



التغييرات المناخية واقع تنكره دول الخليج للحافظ على سلطة النفط
بعد اتفاق الأمم المتحدة في باريس بشأن تغير المناخ في ديسمبر 2015 والذي صدر عنه اتفاق 186 دولة على الحد من انبعاث الغازات، تحدثت مع البروفيسور كيفن أندرسون، نائب مدير مركز تيندال لأبحاث التغير المناخي، وأشار إلى أن العالم لا يزال في طريقه نحو ارتفاع في درجات الحرارة بنحو 3-4 درجات مئوية على مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

ففي عام 2012، لخص البنك الدولي تلك التوقعات في تقرير له بعنوان “اخفضوا درجات الحرارة: لمذا يجب تجنب عالم تعلو به الحرارة 4 درجات مئوية“، وجاء في مقدمة التقرير:

إنَّ سيناريوهات زيادة درجات الحرارة بنحو 4 درجات مئوية هو سيناريو مدمّر، كما أنَّ غرق المدن الساحلية، وزيادة المخاطر لإنتاج الغذاء قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية، وربما تصبح العديد من المناطق الجافة أكثر جفافًا والمناطق الرطبة أكثر رطوبة، وموجات من الحرارة غير مسبوقة في العديد من المناطق، وخاصة في المناطق الإستوائية، وأيضاً تتفاقم أزمة ندرة المياه في العديد من المناطق، وزيادة معدل الأعاصير المدارية ذات الكثافة العالية، وقد ينتج عن ذلك خسارة لا رجعة فيها للتنوع البيولوجي، بما في ذلك نظم الشعاب المرجانية”. 

و يعتقد البروفيسور أندرسون أن زيادة درجات الحرارة في العالم بمعدل 4 درجات مئوية من المرجح أن “يتنافى مع المجتمع العالمي المنظّم”، في حين تقول نومي كلاين، مؤلفة كتاب “This Changes Everything: Capitalism vs. the Climate ” إنَّ “تغير المناخ هو أزمة وجودية تهدّد الجنس البشري”.

دول الخليج ومسألة النفط وعلاقتها بالتغيرات المناخية

قد تكون كل هذه الأمور مخيفة للغاية ولكن في المعلومة التالية يكمن الخطر الحقيقي: وفقًا لإجماع علمي فإنَّ 75 بالمئة من احتياطيات الوقود  المعروفة يجب أن تبقى في باطن الأرض إذا رغبنا في أي فرصة لوقف مستويات التغيّر المناخي الخطيرة.
وهذا ما يقودنا إلى الدول الست في مجلس التعاون الخليجي، الذين يسيطرون على نحو 30 بالمئة من احتياطي النفط الخام في العالم وأكثر من 20 بالمئة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، وخاصة المملكة العربية السعودية، التي تملك نحو 16 بالمئة من احتياطيات النفط على كوكب الأرض.
ووفقاً لمنظمات غير حكومية عديدة وتقارير صحفية، فإنَّ المملكة العربية السعودية، جنبًا إلى جنب مع الدول العربية التي تقودها بشكل غير رسمي، سعت إلى إفساد إتفاقية باريس للتغييى المناخي، في محاولة لتخفيف الخطر الذي يفرضه الأرتفاع في درجات الحرارة على هذه الدول.
في حين دوّنت شبكة العمل من أجل المناخ: “أن السعوديين يحاولون نسف ثلاث سنوات من الأبحاث العلمية الجادة، بتكليف من الحكومات، وقد أظهرت تلك الأبحاث بشكل واضح أن ارتفاع درجات الحرارة بمعدل درجتين فقط هو ارتفاع كبير بالنسبة للمجتمعات الضعيفة في جميع أنحاء العالم” وقد انتقد سفين هارملينغ، منسق جهود المناصرة المختص بتغير المناخ في منظمة كير الدولية، وقال: “أن المملكة العربية السعودية تمنع تقدّم هذه المناقشات الموضوعية وتعيق الوزراء المشاركون من فهم ما يحدث”، كما ذكرت صحيفة الغارديان:

“أنَّ جماعات الضغط في واشنطن التي تمثل المملكة العربية السعودية والكويت عملت على إبطاء عملية التفاوض، في محاولة لربط المساعدات المناخية لدول الجزر الصغيرة التي يمكن أن تختفي تمامًا بعد ارتفاع منسوب مياه البحار بتعويضات لمنتجي النفط الذين يواجهون انخفاضًا في الإيرادات”. 

وقد ظهرت ممارسات مماثلة في محادثات الأمم المتحدة بشأن التغير المناخي في مدينة بون الألمانية في سبتمبر عام 2015، وأشار ينيس ماتياس، ممثل منظمة السلام الأخضر: “لا شك في أن موقف السعودية ضار للغاية، فنحن بحاجة إلى أهداف قوية وطويلة الأجل واتفاق للتخلص من الوقود الأحفوري، لكنَّ المملكة العربية السعودية تقاتل ضد هذه الأهداف بكل قوتها، ولديها الكثير من التأثير، خاصة على الدول الأخرى المنتجة للنفط”.

النفط وعلاقته بالحكم

ومن منظور ضيق وقصير الأجل هناك بطبيعة الحال الكثير من الأسباب التي تفسّر رغبة المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى في منع أي تحركات جدية بشأن تغيّر المناخ، إذ تأتي الغالبية العظمى من إيرادات تلك الدول من النفط والغاز، وفي حين أن “تنويع مصادر الدخل” يُعدّ أمراً مثيراً للجدل في دول مجلس التعاون الخليجي، بحيث أن هناك احتمال ضئيل لإنفصال اقتصادات تلك الدول عن الذهب الأسود في وقت قريب.
وذكرت الصحيفة الألمانية دويتشه فيله: ” أن عائدات النفط تسمح لحكّام دول مثل المملكة العربية السعودية بالإنفاق بسخاء على رفاهية شعوبهم وخدمات الدعم، وهذا يعزز شرعيتهم في الحكم، وخاصة في أعقاب الربيع العربي”، وأوضح الدكتور جيم كرين، الباحث في مجال الطاقة وشؤون دول مجلس التعاون الخليجي في معهد بيكر بجامعة رايس، مدى ارتفاع المخاطر على حكام دول مجلس التعاون الخليجي، وقال:

“الطلب من المملكة العربية السعودية بترك إنتاج النفط هو بمثابة القول بأننا ندعم قيام ثورة في بلدكم”. 


لتلخيص هذه القضية، يحتاج حكام دول مجلس التعاون الخليجي للمحافظة على استخراج الوقود الأحفوري من باطن الأرض لضمان بقائهم في السُلطة، مثلما يحتاج كوكب الأرض والإنسانية أن تتوقف دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الحكومات عن استخراج الوقود الأحفوري لبقائهم على قيد الحياة، إنَّ هذا الصدام الذي لا يمكن التوفيق فيه بين المصالح المختلفة، وهو ما دفع الصحفي باري تريفيدي أن يقدّم تقريرًا عن محادثات المناخ في باريس يفيد، بحسب رأيه، أن المملكة العربية السعودية “كانت تتفاوض بطريقة تهمش أي أعتبار لرفاهية الجنس البشري”.

ارتفاع درجات الحرارة يؤذي دول الخليج

ومن ناحية آخرى، ستتعرض دول الخليج لأضرار بالغة بسبب ارتفاع درجات الحرارة في العالم، مما سيؤدي إلى ظروف مناخية أكثر سخونة وجفافًا في المنطقة ذاتها، وفي ظل شح  المياه العذبة تواجه المنطقة العديد من التهديدات الأمنية،  ففي مراجعة لدراسة نشرتها مجلة “نيتشر” حول تغيّر المناخ، توضح صحيفة الغارديان:

أنَّ دول مجلس التعاون الخليجي “ستعاني من موجات حر تتجاوز الحد المسموح به لبقاء الإنسان على قيد الحياة إذا لم تتم مناقشة التغيّر المناخي في المنطقة”.

وقد تبدأ هذه الموجة بعد عام 2070، إذ أظهر البحث أن 45 درجة مئوية ستصبح الحد الأقصى لدرجات الحرارة في فصل الصيف العادي بمدن الخليج، مع احتمال وصول درجة الحرارة إلى 60 درجة مئوية في أماكن مثل الكويت خلال بضع سنوات.
بالمقابل، ينبغي على الدول الغربية ألا تتوارى عن اللوم وأن تتحمل مسؤولية هذا الوضع، فمنذ أواخر الثمانينات بدأ العالم في إدراك مخاطر تغيّر المناخ، وكانت دول الغرب متورطة بشكل وثيق في تلك المشاكل البيئية الخطيرة، أولًا، عندما كانت المجتمعات الصناعية الثرية بحاجة لكميات كبيرة من الوقود الأحفوري في العالم للحفاظ على أنماط الحياة غير المستدامة القائمة على المستهلك، وثانيًا، لعب الغرب، من خلال التدخل العسكري وصفقات السلاح والدعم الدبلوماسي والتجارة، دورًا حاسمًا في حماية وتدعيم سلطة ممالك الخليج.
ونشرت صحيفة دويتشه فيله أنَّ الكثيرين يعتقدون أنَّ قيمة النفط الكبيرة للمملكة العربية السعودية هي بمثابة “سلاح استراتيجي” يسمح لها بالقيام بدور كبير على الساحة الدولية، وهذا هو المكان الذي ينبغي أن تكون سياسات تغيّر المناخ ذات فائدة كبيرة لأي شخص قلق حول دعم الغرب لإحدى أكثر الحكومات تشدداً على وجه الأرض، فعلى سبيل المثال قد يؤدي أي تحول كبير لمصادر الطاقة المتجددة في المملكة المتحدة إلى الحدّ بشكل كبير من اعتماد البلاد على النفط القادم من الشرق الأوسط ودول الخليج، وهو الأمر الذي بدوره قد يؤدي إلى الحدّ بشكل كبير من قوة المملكة العربية السعودية للتأثير على السياسة الخارجية والداخلية للمملكة المتحدة.
إنَّ قضايا تغيّر المناخ وقوة الحركة البيئية في الغرب وتجارة الأسلحة وهيكل الطاقة في المملكة المتحدة والتغيير السياسي في المملكة العربية السعودية والسياسة الخارجية الغربية  كلها قضايا متصلة ببعضها البعض، وليس من قبيل المبالغة القول بأنَّ مستقبل البشرية يعتمد على مدى سرعة فهم السكان والقادة في الغرب ودول مجلس التعاون الخليجي لهذه الروابط وحجم التهديد والخطر على بلادهم ورفاهية كوكب الأرض، ومدى سرعة رد فعلهم لإتخاذ التدابير اللازمة.
المصدر:  Open Democracy





هل أعجبك الموضوع قم بنشره ؟

انظمو معنا لصفحة الجغرافيا التطبيقية على الفايسبوك