الجماعات القروية بالمغرب بين التنظيم الترابي المتوازن ورهان التنمية المحلية المندمجة

الجماعات القروية بالمغرب بين التنظيم الترابي المتوازن ورهان التنمية المحلية المندمجة


بشرى كنوز
إن المشاكل التي أضحت تعوق استعمال المجال القروي بالمغرب هي تلك المتعلقة أساسا بتنميته ،وتنظيمه واختيار الأساليب والتقنيات الملازمة لإدارته،لأن مسألة  تدبير المجال بإعتباره مجالا  متشابكا من العلاقات والتفاعلات بين العناصر الطبيعية والبشرية، وميدانا للتقاطعات المجالية بين ما هو دولي ووطني وجهوي وإقليمي ومحلي، عن طريق البحث عن آليات جديدة وتقديم الحلول للحد من المشاكل المطروحة، والمساهمة في تهيئة المجال، الذي يعتبر أحد الإشكالات التي أصبحت مثيرة للانشغال بصورة متزايدة، وذلك من خلال تعدد وظائفه الاقتصادية والاجتماعية؛ ولارتباطه الوثيق بالعديد من المواضيع الآنية، من قبيل اللامركزية، الجهوية، الحكامة، التنمية...،وذلك بتسخير كل الطاقات الكاملة وتعبئتها وتأطيرها واستغلالها أفضل استغلال من أجل تحسين الأوضاع السوسيو-اقتصادية للسكان. وإضافة إلى ذلك فقد أصبح العالم القروي بالمغرب بما هو حيز الجغرافي الخارج على نطاق المدارات الحضرية،يواجه افات خطيرة وظواهرشاذة وتحديات التي تحول دون تطوره و الناجمة اساسا  عن  الاهمال و الفقر، بسبب توالي سنوات الجفاف وانجراف التربة وتصحرها مما ساهم في افراغ معظمها من السكان عن طريق الهجرة الى المدن .

ولم يبق في البعض منها الا المعالون بصورة تضامنية من اقربائهم بالخارج ، مما جعل هذا الاخير  (اي العالم القروي)  قبلة للتشويه العقائدي والتمييع الأخلاقي والاستغلال السياسي وغيره...لهذه الأسباب ولسباب أخرى (تأهيل الاقتصاد القروي – نسبة الأمية)، و صعوبة وضع معايير ترابية محددة و مقننة  يتم بموجبها تصنيف الجماعات القروية ، حيث تتقاطع مجموعة من المعايير في ترقية المجال الترابي القروي إلى صنف جماعة قروية ، إذ يتم الأخذ في غالب الأحيان بمعيار الكثافة السكانية وأحيانا بتطورالأنشطة الفلاحية والرعي ، وفي بعض الأحيان بمعيار مدى إرتباط المجال الترابي القروي بأحد الطرق الرئيسية أو الثانوية التي تعبر ذلك المجال الترابي القروي. و لتظل دراسة العالم القروي إحدى الانشغالات الرئيسية للتهيئة الترابيية وتحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة ،بغية تحقيق الاندماجية والالتقائية في تدبير التنمية المحلية. الأمر الذي أصبحت الجماعات تقوم بموجبه بالاشتغال على القضايا ذات الصلة بتنشيط مجالها الترابي، كوضع المخططات التنموية  الازمة لها، وتحضير برامج تنموية مختلفة في مختلف القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية  بترابها وإعداد الظروف اللازمة للتوزيع المتوازن للثروات.
ويستند تنظيم المجال الترابي المغربي على أسس وقواعد تعتمد أساسا على أسلوبين أساسين في الهرم الإداري المغربي، يرتبط الأول بالسلط المفوضة في إطار مسلسل اللامركزية الترابية، والثاني بالسلط المفوضة في إطار مسلسل اللاتركيزأو عدم التركيز الإداري الترابي. ذلك ان  الإدارة هي العمود الفقري لفعل الدولة. فصلاح هذه الأخيرة من صلاحها وفسادها من فسادها. ويتجلى  القاسم المشترك الذي يجمع كل الفاعلين العموميين وزعماء ورؤساء منظمات المجتمع السياسي والمدني والفاعلين فيها  في الرفع من مستوى مردودية الفعل العمومي إلى أعلى المستويات، مع ضرورة توفير شرط الجودة في الخدمات والإنجازات،و الذي يرتبط بدوره بمستوى الوضوح في عقلنة العلاقات  و توضيحها  مؤسساتيا، حتى تأدي دورها الدينامي قصد تحقيق التنمية المحلية وإنعاش المجال الترابي  إقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا. وكذا  التكامل والتناغم والجودة والالتقائية بشكل أوتوماتيكي من أجل تحقيق تطور الدولة في كل المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. ويبقى هذا النسق المعقلن مرتبطا أكثر بتطوير مسلسل اللاتركيز الإداري كأولوية الأولويات. هذا لكون الإدارة بكل أصنافها سواء كانت مركزية  (مختلف الوزارات)، أو محلية (أقاليم، جهات، ولايات، وجماعات)، تعتبر مسؤولة ، إلى جانب باقي الفاعلين، عن تحريك الأوراش الإصلاحية والتنموية و إيجاد وتوفير الظروف الكاملة والجيدة لضمان التسيير الحسن وتحقيق التنمية المحلية.
ولقد عرف المغرب شأنه شأن دول العالم الثالث، تحولات هامة في التوجهات السياسية و الاقتصادية والاجتماعيـة ،كمـا حاول في كل مرة إيجاد توازن في مستوى التنمية بين مختلف الجهات بانتهاج مخططـات مختلفـة و متعددة ،لاستدراك الفوارق التنموية بإنشاء جماعات محلية منذ التعديل الدستوري لسنة 1992 م،  الذي ارتقى بالجهة إلى مستوى الجماعات المحلية ،حسب مقتضيات القانون المنظم للجهات 96-47 الصادر في ابريل 1997، حيث أصبح الجماعة المحلية كيان مستقل تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي واختصاصات قانونية تقريرية، و تشرف عليهـا مجـالس  منتخبة محليا أوكلت لها مهام التسيير و التنمية المحلية .
 وهكذا فإن  دستور 2011 في  الفصل 135 منه،  ينص على أن "الجماعات المحلية بالمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية"، لازال ساريا إلى يومنا هذا وذلك في انتظار إصدار النصوص التنظيمية لدستور 2011 ، خصوصا وأن القوانين المنظمة للعمل الجماعي بالمغرب لسميا قانون 78ـ00 الصادر سنة 2002 المتعلق بالميثاق الجماعي ،و المغير و المتمم بمقتضى القانون 08/17، الذي خول الجماعات المحلية صلاحية واسعة في ميدان التهيئة والتنمية الاقتصادية وإشباع حاجيات الساكنة من تجهيزات أساسية وخدمات عمومية.وفي ضوء القانون 96/47 المتعلق بتنظيم الجهات،  لازال مطبقا إلي يومنا هذا  في انتظار تعديله ،و تفعيل دور الجماعات المحلية في ميدان التنمية المحلية والذي ينم عن ضرورة نهج أسلوب تدبيري عصري يتماشى مع مقتضيات الميثاق الجماعي .وهذا لن يتأتى إلاّ من خلال إعداد مجال محلي متناسق وتجاوز التفاوتات والفوضى المجالية، انطلاقا من المخططات الجماعية للتنمية ترتكز على أساس توجهات واضحة، تحددها دراسات ومخططات التهيئة والتنمية المضبوطة والمبنية على مبدأ المشاركة الايجابية للجماعات المحلية، رفقة الأطراف الأخرى المعنية دون تمييز فيما بينها. وذلك بهدف الحد من النمو الغير المتجانس للمجالات القروية وتحقيق مبتغى التنمية القروية المستدامة. كأساس وعامل مهم للإقلاع التنموي التضامني والتشاركي من أجل البناء المجتمعي الموحد في إطار شراكات عملية بين فعاليات ومكونات المجتمع المدني.
ومن خلال معرفتنا لواقع الجماعات القروية والأقاليم المغربية وما تعيشه من  فقر من حيث التجهيزات و البنيات التحتية مثل إنعدام المستوصفات ، دور الشباب  والمؤسسات التربوية كالتعليم ، وكل الوسائل الضرورية للترفيه ولو بشكل بطئ، نلاحظ محاولة مختلف الهيئات المسيرة لهذه الجماعات سواء كانت مركزية أو محلية ،إيجاد وتوفير الظروف الكاملة والجيدة لضمان التسيير الحسن وتحقيق التنمية المحليةالشاملة والمندمجة، وإن كانت نتائجها إيجابية كمثل البرنامج الوطني للكهرباء بالعالم القروي ، والبرنامج الوطني لفك العزلة عن العالم القروي ، وبرنامج تزويد القرى بالماء الصالح للشرب....إلخ . كل هذه الأوراش تشكل مايسمى بالتنمية البشرية القروية التي تبقى محدودة في الزمان والمكان،في أفق تعزيز  حكامة هذا الفعل التنموي القروي، واستراتيجيته، ومقاربته، وتمويله، وطرق تنفيذه ، ضمن المنظور المجالي كتوجه جديد اختارته الدولة في تعاطيها مع قضايا التنمية بشكل عام وقضايا التنمية القروية بشكل خاص،  وهو ما لن يتحقق ما لم ترتبط  هذه التنمية بالثروة التي توفرها الجماعات القروية ، لاسيما في ميادين الفلاحة والزراعية أو كل ما يتعلق بالخصائص والموارد الجغرافية والاقتصادية للجماعة و التي تشكل الرافد الأساسي في كل تنمية قروية ،لأن هذه المؤهلات هي التي تعطي للجماعات شخصيتها، وتجعل الساكنة القروية مرتبطة بمجالها الترابي عبر توفير كل الشروط الضرورية لعيشها الكريم ، وفق عملية منظمة و مخططة تهدف الانتقال من وضع إلى وضع أحسن من سابقه.
إن التدخل الاقتصادية للجماعات  القروية لا يتوقف فقط على مؤهلاتها الطبيعية والمادية وطاقتها البشرية، بل يتطلب تحسين استغلال هذه الإمكانيات وتوظيفها بشكل دقيق لخدمة الأهداف المرسومة لها؛ ولا يتأتى هذا بوجود مجالس جماعية قروية كفيلة بالنهوض بالعالم القروي إلى المستوى المطلوب وهذا رهين بالمنتخبين الجماعيين المسيرين للشأن المحلي داخل هذه المجالس ، وهو ما أكده صاحب الجلالة الملك الراحل: "فلننظر أولا إلى العنصر الأول أو المتدخل الأول، ألا و هو رئيس البلدية أو الجماعة القروية و مكتبه و من يحيط به من المنتخبين. عليهم أن يكونوا- لا أقول من ناحية الضمير المهني بل من ناحية العلم- على دراية تامة بما لهم من سلطات و ما عليهم من واجبات". فارتهان التنمية القروية بالمنتخب يجد أساسه فيما يضفي عليها من ذاته ويشرطها بمهارته و يقلص من فعاليتها أو يزيد فيها، وكذلك الأحزاب المغربية التي تعطي التزكيات لهؤلاء المنتخبين إعتمادا على الزبونية والمحسوبية، والو لاءات دون مراعاة الكفاءات والإخلاص في العمل الجاد خصوصا أن أغلب هؤلاء المنتخبين تبقى مستوياتهم ضعيفة،مما يجعل من التنمية القروية تقوم باستقامتهم و صلاحيتهم و تتدنى باعوجاجهم و قلة كفاءتهم، لاسيما وأن مجال التنمية القروية أصبح معقدا يستدعي ميكانيزمات وسلوكيات يصعب توفرها في الوقت الحالي لدى هؤلاء المنتخبين الجماعيين القرويين.
وهذا يفرض على الجماعات القروية، لاعتماد على نهج متكامل يعتمد على مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل المدى لجميع القطاعات. وذلك  بأن تحول  دورها من الاقتصار على تصريف الشؤون الجارية وإنجاز الوثائق والخدمات الإدارية إلى التدخل الاقتصادي، والاجتماعي على الصعيد المحلي حيث تراعى فيه العدالة والتمثيل، الأمر الذي أصبحت بموجبه الجماعات تقوم بالإشتغال على القضايا ذات الصلة بتنشيط مجالها القروي ، ومن هنا نشأت العلاقة بين مفهوم الحكم الراشد في تسيير مختلف الموارد الاقتصادية والبشرية لأنه هو الذي يضمن تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية مسـتدامة شاملة، باعتباره أولوية استراتيجية في سياسة الدولة، تروم النهوض بالعالم القروي ترابه وإنسانه، على أساس من الشمولية والعدالة والإنصاف، معتمدا على مجموع الفاعلين في التنمية.من هيئات الدولة الممثلة في الإدارات العمومية بمختلف المستويات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية بمختلف منظماتها وجمعياتها المدنية والسياسية ،إذ يقول جلالة الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش للعام 2000: "... وإننا في مجال التنمية لنولي أهمية خاصة للتنمية القروية باعتبارها أساس التنمية الشاملة". ولا يتأتى هذا إلا بوجود برنامج محكم يحدد حاجيات هذه الجماعات ويرسم طريق تلبيتها، وهذا البرنامج لا يمكن صياغته دون معلومات ومعطيات محددة وأهداف توقعية.. إنها تقنية المخططات الجماعية للتنمية.
والمغرب كباقي دول العالم سعت منذ استقلالها إلى تحقيق التنمية المحلية الشاملة والمندمجة، نظرا للفوارق المجالية الصارخة خاصة بين المركز والهامش، وتركز هذا الاهتمام حول الجماعات  القروية كوحدة ترابية تعبر عن مجال ترابي قروي وصل إلى مستوى معين من التنمية القروية ، كرافعات قوية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على الصعيد المحلي. غير ان نظام الجماعات القروية بالمغرب وإن كان قد قطع أشواطا كبيرة في مجال التنمية القروية ،فقد أصابته مجموعة من العوائق والصعوبات التي  تقف أمام تبني سياسة قروية تهدف إلى تنمية المجالات الريفية وتهدف بالأساس إلى الرفع من المستوى المعيشي للسكان وتأهيل المجالات القروية في إطار التنمية المستدامة.
 ذلك أن مجهود التنمية القروية سيبقى فارغا من محتواه الإيجابي إذا لم يتم الأخذ بعين الاعتبار الوضعية المالية للميزانيات القروية ، و العمل على تعزيز وترسيخ الحكامة الترابية القروية في ظل الجهوية المتقدمة التي اختارتها البلاد سبيلا للديمقراطية والتنمية التضامنية المجالية والاجتماعية المستدامة، يمر وجوبا عبر تكريس شمولية وأفقية التنمية القروية، وتعاطيها عبر المقاربة الترابية، وعلى قاعدة التخطيط الاستراتيجي التشاركي المعد في ضوء دينامية المجال وحركية الاجتماع، وعبر الانسجام والتجانس في التدبير، وكذا المؤسسة القانونية البنيوية والوظيفية للتنمية القروية. وتسطير برامج للتنمية المندمجة ، تأخذ بعين الإعتبارخصوصيات العالم القروي المتميزة بتنوع طبيعته ، مما يساعد على التفكير في استغلال هذا المجال ضمن السياحة القروية والجبلية وإنعاش الفلاحة والزراعة عبر خلق تعاونيات تساعد على فتح قنوات الحوار مع المجالس القروية ، ومع كل المسئولين المرتبطين بالميدان القروي مثل وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز ووزارة السياحة ثم وزارة البيئة . كذلك إستقطاب رؤوس الأموال والإستثمارات الكبرى التي من شأنها إنجاز المشاريع العملاقة في كافة المجالات سواء ما تعلق بالبنية التحتية أو ما تعلق بالخدمات أو ما يهم مجال الدراسات، بيد أن جلب الإستثمارات يستلزم توفير شروط وظروف اقتصادية وسياسية وقانونية تمنح المستثمر ضمانات حقيقية تشجع على استثمار أمواله خاصة إذا ما ربط علاقات تعاقدية مع الدولة أو الجماعات الترابية،   حتى تتمكن هذه الاخيرة من إشباع حاجياتها المختلفة، فالتنمية الترابية المندمجة  تشكل الأداة الجديدة التدخلية التي تساهم في ترسيم ملامح السياسات العمومية وتترجم توجهات الإستثمار والإنفاق العمومي.

 إلا ان واقع الجماعات القروية اليوم يعكس  بخلاف ذلك كله ،صورا لم تحقق فيها التنمية و لا أساليب الإدارة الرشيدة سواء في إشراك الفاعلين الحقيقيين في التنمية أو في مستوى تسيير وسائل التنمية و تفعيل الموارد المحلية. كمؤسسات جديدة تعتمد تقنيات التدابير الحديثة التي تأخذ بالمبادئ الكبرى للحكامة الترابية،  إذ تبقى الجماعات القروية في موقع الاقتراح دون القدرة على التمويل الذي يعتمد فيـه علـى الهيئات المركزية، ووفقا للسياسات التنموية الوطنية التي تقررها. كما أن دور المجتمعات المحلية من خلال الجمعيات المدنية، لم يـرق إلـى المشـاركة فـي القرارات المحلية و تفعيل التنمية. فإن الأمر يقتضي مراجعة مجموعة من الركائز التي يقوم عليها التنظيم الترابي، من اجل تحقيق النتائج المالية والمحاسبية لتدخل المنظمات العمومية في إطار تأهيل الوحدات المجالية التي تعمل فيها، قبل أن تنتقل إلى مختلف أوجه ومجالات تدخل هذه الهيئات لإحداث تغييرات إيجابية وتطور نوعي في الحياة الإقتصادية والإجتماعية، وكمرحلة لاحقة تحقيق تنمية إنسانية أو بشرية شاملة مستدامة ومندمجة.




هل أعجبك الموضوع قم بنشره ؟

انظمو معنا لصفحة الجغرافيا التطبيقية على الفايسبوك