التطور التاريخي للفكر الجغرافي، مع بعض المفاهيم الخاصة

التطور التاريخي للفكر الجغرافي، مع بعض المفاهيم الخاصة


مقدمة :
يعتقد البعض إن الجغرافيا قديما بقدم الجنس البشري فمع مرور الزمن سمعت المجموعات البشرية المختلفة للعيش بتناسق مع وسطها البيئي الطبيعي من خلال اكتشاف الأماكن التي تتوافر فيها متطلبات الحياة الأساسية (مثل المسكن والملبس والمأكل ) بهدف اتخاذها كأماكن استقرار وأمان كما دفع حب اطلاع المجموعات البشرية الأخرى القيام برحلات استكشافية إلى مناطق كانت مجهولة بالنسبة إليهم ووصف ما شاهدوه في تلك الأماكن , فعملية وصفهم للأماكن التي اكتشفوها خلال أسفارهم يعتبره البعض بحد ذاته نقطة البداية لعلم الجغرافيا , أما التطورات الأخرى التي طرأت على الفكر الجغرافي عبر العصور ( منذ كتابات الإغريق القدامى حتى يومنا هذا ) فسيتم استعراضها بإيجاز شديد في الجزء الأول من هذا الفصل لذا فان هذا الفصل يهدف إلى تعريف القارئ على طبيعة علم الجغرافيا وميدانه بشكل عام والجغرافيا البشرية بشكل خاص من خلال تحديد المراحل التي مر بها هذا العلم . وفيما سيأتي من عرض هنا هو في الواقع ملخص لآراء أ.د. صفوح خير حيث تمت الاستعانة بكتبه ومنشوراته لتقديم هذه السطور التي تبدو اساسية لطلبة المستوى الأول ممن أحبوا دراسة العلوم الجغرافية والتخصص بها، لادراكهم التام بأن عصر الجغرافيا الأدبية أو الجغلرافيا الاجتماعية قد ولى وانتهى وأن عصر الجغرافيا العلمية قد بدأ يؤكد نفسه منذ سبعينات القرن الماضي وأن الجغرافيا لم تعد علم فلسفة المكان،بل هي الآن علم لهندسة المجال.   

مراحل تطور الفكر الجغراقي :
منذ وقت طويل , والإنسان يحاول باستمرار تطوير معرفته بالعالم الذي يحيط به , فعلى سبيل المثال عرف المصريون القدماء كيفية قياس مساحات الأرض وكيفية توجيه مبانيهم , كما حددوا عدد أيام السنة , أما الفينيقيون المعروف عنهم بكثرة أسفارهم واكتشافاتهم للأقاليم غير المعروفة فقد طوروا العديد من المهارات الملاحية وابرزوا الاختلافات المناخية بين الأماكن المختلفة وبالرغم من عناصر المعرفة الجغرافية قد ساهمت بها كل حضارة من حضارات العالم المختلفة , إلا إن الإغريق القدماء كانوا أول من قدم معلومات جغرافية تفصيلية وبالتالي فهم بحق مؤسسو علم الجغرافيا .
لعل أول جغرافي إغريقي هو الشاعر هوميروس homer فملحمة الأوديسة  odyssayلهوميروس تضمنت وصف جغرافي لاماكن مختلفة في إقليم البحر المتوسط بالرغم من إن مغزى ملحمته لم يكن بالتحديد تقديم الوصف الجغرافي وإنما هو الإخبار عن مغامرة مثيرة , وبعد هوميروس بحوالي خمسماية عام , ألف هيكتاتيوس hecataeus كتابا بعنوان وصف الأرض description of the earth حيث يعتبر الأول من نوعه الذي يهدف إلى وصف الأرض فالعالم طبقا لهيكاتيوس هو أساسا منطقة البحر المتوسط , وقبل بداية القرن الخامس قبل الميلاد تطورت كتابات الإغريق من الوصف إلى محاولة التفسير , فهيرودوت Herodotus المعروف بميوله وتخصصه بدراسة التاريخ إلا انه قام ببحث الكثير من المواضيع الجغرافية فقد ترتب على أسفاره الكثيرة وكتاباته الوصفية حينا والتفسيرات حينا أخر للاماكن التي زارها , المساعدة في توضيح العديد من القضايا الجغرافية فعلى سبيل المثال فقد وضح كيفية تكوين الدالات من خلال عملية الترسب المائية كما أشار إلى إن تغيرات درجة الحرارة ترتبط باتجاهات الرياح .
أما بلاتو Plato فقد أشار خلال القرن الرابع فقد أشار خلال القرن الرابع قبل الميلاد إلى إن الأرض كروية وفي الوقت ذاته افترضeudoxus بأن النطاقات المناخية Kilmer تطوق الأرض , فكانت الأفكار التي جاء بها كل من بلاتو وeudoxus مجرد أفكار نظرية تحتاج إلى مزيد من الإثبات والبرهان , فقد حاول أرسطو Aristotle تلميذ بلاتو إيجاد البرهان القوي لإثبات الأفكار التي جاء بها بلاتو فلاحظ أرسطو ظل الأرض الدائري على سطح القمر وبين إن درجات الحرارة تتناقص كلما ازدادت المسافة عن خط الاستواء , إما الكسندر العظيم Alexander the great بصفته احد تلاميذ أرسطو فقد ساهم في تطوير المعرفة الجغرافية الإغريقية من خلال القياسات التي قام بها خلال حملات الغزو التي رافقها فقد ضمن تقاريره التي أعدها معلومات جغرافية قيمة عن الأماكن التي شاهدها , وأخر علماء الإغريق العظماء المعروفين بمساهمتهم في أعناء المعرفة الجغرافية هم ايراستوتين Eratosthenes وسترابو strobeلقد دعي ايراستوتين مرارا بأبي الجغرافيا لأنه أول من حدد معنى مفهوم الجغرافيا المؤلف من شقين geoومعناها الأرض graph'sومعناها وصف , كما انه أول من قام بقياس محيط الأرض باستخدام زاوية سقوط أشعة الشمس والمعادلات الرياضية ما اشتملت مساهمات ايراستوتين على تصميم خارطة العالم بين عليها كل من أوروبا والهند وليبيا أما استرابوا بالرغم من إضافاته الضئيلة على المعرفة الجغرافية إلا انه كان الفضل له في تأليف كتاب الجغرافيا التي تكون من سبعة عشر مجلدا وتبرز أهمية هذا الكتاب بأنه يعد تجميعا للإضافات الجغرافية الإغريقية بوجه عام لقد قدم الإغريق القدماء الاسم والإطار الذي يمكن العمل من خلاله في إضافة المزيد من المعلومات الجغرافية من قبل كل باحث فيما بعد , لقد اتسمت الكتابات الجغرافية خلال الحقبة الرومانية بعدم الضمولية وتركزت بصورة رئيسة على مسوحات محلية وتأليف الموسوعات المعلوماتية عن بيئات محدودة بالإضافة إلى محاولاتهم الجادة في عمليات تحديد حدود الوحدات السياسية , لقد أعقبت الحقبة الرومانية حقبة العصور الوسطى من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر التي عرفت بأطول فترة شحت خلالها الكتابتان العلمية الجغرافية خاصة في أوروبا وفي الوقت التي تدهورت فيه الجغرافيا في أثناء  العصور الوسطى كان للعرب خلال القرن السابع والثامن الميلادي الفضل في حماية التراث الجغرافي اليوناني والإضافة علية فقد كتبوا  في موضوعات شتى في الجغرافيا الوصفية والرياضية ودرسوا مشكلة مساقط الخرائط .
يعتبر بداية القرن الخامس عشر الميلادي بداية عصر الاكتشاف التي تم خلاله وخلال القرن السادس عشر توسيع المعرفة الجغرافية وتسجيل المزيد من المعلومات الجغرافية عن الأماكن الجديدة التي تم استكشافها ,. لقد زودت البعثات الاستكشافية في الفترة الممتدة بين 1550 – 1850 كثيرا من الباحثين الأكاديميين بمعلومات جغرافيا مهمة عن الأماكن المختلفة من العالم وسكان تلك المناطق الجديدة لذا غدت الجغرافيا البشرية تظهر كأحد فروع الجغرافي الأساسية فمن المعروف إن العامل الجغرافي البشري قد تم التركيز علية في تدريس الجغرافيا في جامعة ويتنبرغ wittenberg university سنة 1509 من قبل الأستاذ بارتل سنتين barthel stein وفيما بعد تم التأكيد علية من قبل كانت Immanuel Kant خلال تدريسه في konigsberg الألمانية في الفترة الواقعة بين (1757 – 1797 ) حيث اعتبر العنصر البشري كجزء مكمل للموضوع الجغرافي .
لقد انتهى عصر الاكتشافات الجغرافية بظهور أعمال اثنين من رواد المدرسة الجغرافية الألمانية الحديثة وهما الكساندر همبولتAlexander von Humboldt وكارل ريتر kar Ritter  حيث كان لكليهما التأثير الكبير على مسيرة الفكر الجغرافي مما دفع فريق من الباحثين بالاعتقاد بأنه كان لهامبولت وريتر الدور الحاسم في نهاية العقبة الكلاسيكية بالجغرافيا وبداية الجغرافيا الحديثة كما اعتبر هامبولت بأنه مؤسس الجغرافيا الطبيعية الحديثة وريتر بأنه مؤسس الجغرافيا الحضارية .
وبالرغم من عصرية الفكر الجغرافي لكل من همبولت وريتر إلا أنهما يختلفان اختلافا بيناً في المنهج المتبع من قبل كلا منهما عند معالجة الموضوعات الجغرافية فهامبولت كان رحالة وكاتبا للظواهر التي شاهدها في رحلاته العديدة غير انه ايضا نحى منحى التفسير من خلال الفرضيات التي وضعها .
إما ريتر الذي عمل في مهنة التدريس في إحدى الجامعات الألمانية فقد ساهم في تطوير مفاهيم الترابط بين السكان ووسطهم البيئي الطبيعي حيث افترض وجود نوع من الترابط العضوي بين السكان وبين الطبيعة لقد تبنى وجهة النظر هذه كثيرا من الباحثين كما انه دار جدل حولها فيما بعد ومن اوجة الاختلاف الأخرى بين كلا من ريتر وهامبولت هي إن نظرة هامبولت إلى العالم نظرة شمولية بينما اتجه ريتر نحو المنهج الإقليمي حيث ركز على دراسة الأقاليم .
أما أوجه الشبة بين كلا من هامبولت وريتر فتتمثل في ميل كلا منهما نحو إطفاء الصبغة العلمية على الجغرافيا كما إنهما يرون إن الجغرافيا في تعاملها مع الظاهرات والحوادث ذات الأصول المختلفة مترابطة في جهات مختلفة من العالم كما أشار الحاجة الماسة لتطوير مفاهيم جغرافية عامة تتعلق بوجود العلاقات القوية بين الظاهرات الجغرافية البشرية والطبيعية , في عام 1874 ازداد تعميم الجغرافيا كإحدى الفروع الأكاديمية في الجامعات الألمانية فقد سبق وان اشرنا إلى إن لهامبولت وريتر تأثيراً كبيرا ً على مسار هذا الفرع الأكاديمي وخلال القسم الأخير من القرن التاسع عشر تم بحث العلاقة المتبادلة بين الإنسان وبيئته الطبيعية في إحدى الموضوعات الجغرافية الهامة في ألمانيا وكان فريدريك راتزل Fred rich ratzel المعروف عنه بأنه مؤسس الجغرافيا الساسيةpolitical geography قد تطرق إلى مثل هذا الموضوع من خلال استخدامه لفكرة ريتر المتعلقة بوحدة العالم العضوية لتطبيقها على قضايا الجغرافيا الحضارية واقترح راتزل بأن المجموعات البشرية وبشكل عام الدول أو الوحدات السياسية تتصراع مع بعضا البعض على الحيز المكاني ووجهة نظره هذه تستند على الافكار الداروينية المتعلقة بالاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح في أي بيئة طبيعية .
المدارس الفكرية الجغرافية :
1- مدرسة الحتم البيئي : لقد تم تطوير الافكار التي جاء بها راتزل إلى فلسفة مدرسة فكرية تعالج موضوع الجغرافيا بشكل عام وموضوع الجغرافيا البشرية بشكل خاص حيث عرفت تلك المدرسة الفكرية بمدرسة الحتم البيئي environmental determinism لقد دار جدل عنيف حول افكار أتباع مدرسة الجتم البيئي بين الجغرافيين فمن المعروف إن أتباع مدرسة الحتم البيئي اخذوا بمبدأ السببية causuallty  في تحديد العلاقة المتبادلة بين الإنسان وبيئته الطبيعية فهم يعتبرون فان للظروف البيئية الطبيعية الأثر الأكبر في حياة الإنسان وفي نظمه الاقتصادية والحضارية بل ذهبوا إلى ابعد من ذلك الحد حيث اعتبروا الظاهرات الطبيعية الجغرافية في غاية الأهمية لدرجة إن اهتمامهم انصب على دراستها وتحليلها ؟, بينما اعتبرت الظواهر الجغرافية البشرية ذات أهمية ثانوية حتى إن بعضهم اقترح إغفال الظواهر الجغرافية البشرية من الدراسات الجغرافية كليا ومع مرور الوقت امتد تيار المدرسة الحتمية خارج ألمانيا إلى اميريكا بواسطة الن سمبل Ellen semple  التي امتهنت للتدريس بجامعة شيكاغو كانت إحدى تلاميذ راتزل فاستخدمت سمبل كتاب بعنوان American history and its geographic conditions للتعبير وتوضيح كيفية تأثير البيئة الطبيعية على تاريخ الولايات المتحدة خلال الفترة الواقعة بين 1903 – 1932 فقد تأثر بكتابها المشهور تأثيرا البيئة الجغرافية الذي صدر في نيويورك عام 1911 بعنوان influonces .



الفصل الثاني:
بعض المفاهيم الاساسيه في الجغرافيا:
لقد اشتملت العديد من الدراسات الجغرافيا ذات العلاقة بالتقاليد الجغرافية الاربعه التي استعرضنها في الفصل السابق بعض المفاهيم الجغرافيا ومن الواضح إن تلك المفاهيم ذات علاقة مباشره بالجغرافيا بشكل عام والجغرافيا البشرية بشكل خاص واهم المفاهيم الجغرافية التي افرزها وتم ترديدها في الدراسات  الجغرافية والتي سنحاول خلال الفقرات التالية من تحديد إطار تعريفي لها .
التوزيع المكاني  spatial distribution العلاقات المكانية spatial relationships والموقع location والمسافة  distanceوالاتجاه   directionوالتفاعل المكاني  spatial interaction والإقليم  region والحجم  size والشكل  shape والنمط pattern والانتشار المكاني spatial diffusion   
1_ التوزيع المكاني spatial distribution : يشير هذا المفهوم الى مواقع الظواهر الجغرافية المختلفة مثل (المستوطنات البشرية,السكان,توزيع الغابات,المزارع)في الحيز المكاني في وقت معين.
2_العلاقات المكانية  spatial relationships  : وتعني جميع التفاعلات والعلاقات الترابطية بين أماكن مختلفة وظواهر مختلفه يشملها الحيز المكاني فمناطق النفوذ التجاري خير مثال لتوضيح هذا المفهوم.
3_ التفاعلات المكانية spatial interactions  : عبارة عن الانسياب المستمر والمتبادل بين الأماكن بانسياب البضائع والناس والمعلومات بين أماكن مختلفة فحجم ألتجاره بين الدول وهجرة السكان بين الأقاليم كلها أمثلة على التفاعل المكاني
لقد حدد اولمان  ulman ثلاث أسس لحدوث التفاعل المكاني أو عدم حدوثه وهذه الأسس على النحو التالي:
1_التكامل complementarlty  
2_ إمكانية النقل أو قابلية المادة للنقل transferability
3_الفرصة المعترضة intervening opportunity
1_التكامل: ويشير إلى درجه الطلب على ماده معينه (سلعه معينه)في مكان معين وتوفرها في المكان الأخر عندئذ يحدث انسياب تلك السلعة بين المكانين وبشكل أوضح زيادة الطلب على منتوج الخضروات من قبل مدينة عمان يتم تلبيته من منطقة وادي الأردن المنطقة الزراعية الرئيسية الإنتاج الخضروات .
2_إما بالنسبة لإمكانية نقل السلعة أو قابلية السلعة للنقل فترتبط ارتباطا وثيقا  بتكاليف نقلها والتي ترتبط بدورها بالمسافة الفاصلة بين نقطة البداية ونقطة النهاية فإذا حصل إن تكاليف نقل سلعه معينه غدت مرتفعه جدا فعملية نقل السلعة بين مكانين لن تتم حتى في حالة وجود تكامل بين المكانين 3- وقد يحول دون حدوث التفاعل بين مكانين معينين حالة وجود فرصه معترضة ويمكن توضيح اثر هذا العامل من خلال افتراض إن منطقة (أ)ذات فائض في إنتاج محصول معين ومنطقة (ب)تعاني عجز في توفر هذا المحصول إما منطقة (ج) الواقعة بين المنطقتين (أ)و(ب) فهي ذات فائض من نفس السلعة وبالتالي يترتب على وقوعها بين (أ)و (ب) يعيق الفاعل بين (أ) و(ب) بل يصبح التفاعل ممكن بين (أ)و(ج) الأقرب إلى ((أ) بسبب انخفاض تكاليف نقل السلعة المنتجة بينهما.
4_ الموقع location  : عبارة هن تحديد مكان الأشياء أو الظواهر الجغرافية في الحيز المكاني " وهناك نوعان من المتوقع :
 (أ)- الموقع المطلق location  aosolute  : وهو عبارة عن موقع أي شيء أو أي ظاهرة جغرافية ضمن نظام الشبكة المتسلمتة (خطوط العرض والطول).
(ب)- الموقع النسبي relative location : هو عبارة عن مكان أي شيء نسبة لمواقع الأشياء الأخرى ويعكس هذا المفهوم حالة تجاور الأشياء أو الظواهر الجغرافية في الحيز المكاني juxtaposition in space  .
ولتوضيح هذا المفهوم يمكن القول بأن صاحب المصنع لا يهمه عند إقامة مصنعه في مكان معين للموقع الفلكي ( بالنسبة لخطوط الطول والعرض ) لمكان مصنعه , بل الذي يهمه بالدرجة الأولى , مدى بعد أو قرب مكان مصنعه من السوق , أو مكان النواد الارلية الداخلة في عملية التصنيع بالإضافة إلى العوامل الأخرى المحددة لتوقيع الأنشطة الصناعية المختلفة , نفس الشيء ينطبق على حالة اختيار مكان السكن المرغوب فيه , فاختيار البعض مكان سكنه القريب من المؤسسات التعليمية (كالمدارس والجامعات ) والصحية (كالمستشفيات والمراكز الصحية الأخرى ) وأماكن عملهم له مايبرره فإذن الموقع النسبي يمكن إن يفرز قيمة موقعيه وبتحديد أدق , فالأماكن المفضلة تزداد قيمتها بسبب درجة قربها النسبي من الأماكن الأخرى المرتبطة بها .
5- المسافة distance : ويرتبط هذا المفهوم بمفهوم الموقع خاصة الموقع النسبي , ويعبر عن الفاصل الطبيعي بين مكانين معينين في الحيز المكاني بالمسافة المطلقة وتتمثل وحدات القياس المسافة المطلقة إما بالكيلومترات أو بالأميال وفي بعض الأحيان يتم التعبير عن المسافة المطلقة بوحدات قياس أخرى كوحدات الزمن المستغرقة بقطع المسافة أو بمقدار تكاليف قطع هذه المسافة وهذا ما يطلق علية مفهوم المسافة النسبية distance relative
6- الاتجاه direction  أو التوجيه orientation :فالتوجيه يساعد تحديد الجهة أو المكان المقصود فالجهات الأربع معروفة لدى جميع حضارات العالم , فتحديد الشرق والغرب يمكن إن يتم من خلال شروق وغروب الشمس , والشمال والجنوب من خلال النجوم , وقد يستخدم بعض الناس الاتجاهات النسبية كقول البعض " ذاهب إلى البلد " ويعني به وسط المدينة وربما تكون العاصمة , وكقول بعض المصريين " وأنا ذاهب إلى مصر " ويعني بذلك توجهه نحو مدينة القاهرة وهناك من يستخدم land ward  أي التوجه نحو البر و sea ward ويعني التوجهه نحو البحر , إما تعبير الشرق الأقصى , الذي يعتبر أوروبي الأصل فيشير إلى إن الدول الأسيوية موجودة في الشرق , فهناك من يطلق اسم الشرق الأقصىfar east   على مجموعة من الدول الأسيوية وذلك لأنها أكثر بعدا عن أوروبا والبعض الأخر يطلق الشرق المتوسط  middle east على مجموعة الدول الأكثر قربا لأوروبا .
7- الحجم  size :يتم التعيير في معظم الأحيان عن كبر الظاهر الجغرافية الطبيعية أو البشرية بمقدار حجمها عادة مايتم التعبير عن حجم دولة أو مدينة ما بمقدار عدد سكانها كما يعبر عن حجم الغابة بمقدار مساحتها وعدد الأشجار التي تشتملها إذن حجم الظاهرة الجغرافية يمكن التعبير عنه بعدة معايير فحجم المدينة يمكن التغبير عنه بمقدار مساحتها بالكيلو مترات المربعة أو بمقدار عدد سكانها على نحو ذكرناه سابقاً , يعود الاهتمام لمفهوم الحجم من قبل الجغرافيين إلى انه كل ما كانت المنطقة الجغرافية كبيرة وواسعة المساحة كل ما زاد احتمال احتوائها على تنوع الظاهرات الجغرافية فيها مثل الموارد الطبيعية كما إن توزيع الظاهرة الجغرافية يتأثر إلى حد كبير بحجم المنطقة الجغرافية التي تنتشر فيها تلك الظاهرة مثل توزيع السكان والمستوطنات البشرية فالظاهرة الجغرافية التي يبدو نمط توزيعها متكتلا بمنطقة جغرافية محدودة المساحة يبدو توزيعها مبعثرا بمنطقة جغرافية مساحتها اكبر خمسة مرات من المنطقة الأولى .
8- الشكل  shape  : يرتبط شكل المنطقة الجغرافية أو الإقليم الجغرافي بمدى التفاعل المكاني و مستويات التكاليف بين الأماكن المختلفة فالوحدة السياسية التي تأخذ الشكل المتطاول قد تشتمل على أماكن معزولة أو متباعدة عن بعضها البعض إما الوحدات السياسية ذات الشكل الملموم  compact shape  مثل جيبوتي وفنزويلا , اسبانيا فإنها تشتمل على أماكن متجاورة من بعضها البعض مما يكون له الأثر الواضح على تكاليف النقل والاتصال بين تلك الأماكن المتجاورة .
9- النمط  pattern  : عبارة عن ترتيب الأشياء أو الظواهر الجغرافية في الحيز المكاني ويمثل النمط كلا من النقاط  points والخطوط lines  والمساحات  areas  فنمط النقاط ممكن إن تكون متكتلة  clustered عندما يبدو  متمركزا في قسم محدود من منطقة معينة بينما تخلو بقية المنطقة من تلك النقاط وعندما يكون نمط النقاط مبعثر dispersed  فان ذلك يعكس انتشار النقاط في كافة إرجاء المنطقة أو الإقليم الجغرافي .
أما عندما يتألف النمط من مجموعة من الخطوط فقد تمثل حين إذن الحدود المشتركة بين الأماكن أو خطوط المواصلات والاتصالات وفي أحيان أخرى يتم استخدام سمك الخطوط للتعبير عن قوة التفاعل المكاني بين الأقاليم كتمثيل حجم الهجرة والتجارة بين تلك الأقاليم كما يتم استخدام خطوط في التمثيل الكارتوغرافي لظواهر طبيعيه تتعلق بالأنهار والاوديه على الخرائط أما النمط المنتظم فيمكن ملاحظته من خلال تمثيل شبكة الطرق المنتظمة في المدينة العصرية غير انه يسود في المدن القديمة نمط من شبكة الطرق غير المنتظمة وغير المتصلة disjointed  وعند ربط النقاط(كالمدن أو المستوطنات البشرية)لسبكه من الطرق يدعى ذلك النمط حينئذ بالنمط المركب .
10_ الإقليمregion  : يمثل منطقه جغرافيه ذات خصائص جغرافيه تميزها عن غيرها  من المناطق الأخرى هناك نوعان من الأقاليم:النوع الأول ويدعى بالأقاليم ألعامهregion formal  حيث يتم تحديد حدود هذا النوع من الأقاليم من خلال توزيع ظواهر جغرافية معينة ( اللغة , الدين) أما النوع الثاني الذي يدعى بالأقاليم الوظيفيةregion functional  فهي ليست بالضرورة متجانسة من حيث الخصائص التي تميزها عما يجاورها من مناطق جغرافية أخرى فالأقاليم الوظيفية تمتلك تنوع داخلي ملحوظ ويتخللها أنماط وعلاقات متبادلة كذلك يتم التركيز على دراسة الأنماط المترابطة داخل الإقليم الوظيفية وتمثل المدينة وضاحيتها الإقليم الوظيفي .
11- الانتشار المكاني spatial diffusion     : عبارة عن عملية انتشار الظواهر الجغرافية المختلفة ( انتقال السكان , وحركة البضائع , والمعلومات ) خلال الحيز المكاني ولمثل هذه العملية تأثير مزدوج الأول ويتمثل في التأثير التي تفرزه هذه العملية على خصائص السكان المهاجرين , والثاني يتمثل في تأثير عملية الانتشار على الأماكن التي تنتشر فيها تلك الظاهرة , فأي محاولة لدراسة وفهم قضية انتشار الظواهر الجغرافية مانيا من خلال تحليل تطورها تستلزم تحديد عناصر هذه العملية , فالعنصر الأول يمثل الزمن لان أي ظاهره جغرافية تنتشر من مكان لأخر وحتى يتم تبنيها فإنها تحتاج إلى وقت كافي لحدوث ذلك , إما العنصر فهو متغير المكان حيث إن عملية الانتشار تتم بين الأماكن المختلفة وتدعى إلية نقل هذه الظاهرة ( أو السكان الذين يقومون بنقل الظاهرة ) بالناقلين carriers إما أولئك الذين يتبنون هذه الظاهرة يطلق عليهم اسم المتبنين  adopters  والذي لا يتبنى تلك الظاهرة يطلق علية non - adopters  .
إن الاهتمام بعناصر عملية الانتشار المكاني ليس جديد في الدراسات الجغرافية فلقد اهتمت الدراسات الجغرافية التاريخية بتحليل وتحديد طبيعة العلاقات بين متغير الزمن time والحيز المكاني space وابرز هذه الدراسات تلك التي قام بها ساور  c.sauer  الذي تتبع من خلالها أصول أنماط الزراعة في أمريكا الوسطى , إما دراسة هاجر ستراند Hager strand  فقد ألقت الضوء على الظروف التي نجم عنها اتخاذ القرارات المتعلقة بانتشار الظواهر الجغرافية مكانيا فقد ركز هاجر ستراند في دراسته أيضا على انتشار بعض الطرق الزراعية الجديدة في مناطق زراعية تقع في وسط السويد بينما ركزت الدراسات الأخرى على انتشار ظاهرة الابتكارات التقنيةtechnological innovations  وبعضها الأخر استقصى انتشار الإيديولوجيات السياسية  political ideologies, فمجمل القول بأن الدراسات التي بحثت في طبيعة العلاقة المتبادلة بين متغيرات الزمن والحيز المكاني التي لها الدور الحاسم في عملية الانتشار المكاني للظواهر الجغرافية تعد الأساس لفهم توزيع الكثير من الظاهرات الجغرافية.
أنواع الانتشار:
يمكن التمييز بين نوعين رئيسين من أنواع الانتشار :
1- الانتشار الممتد  expansion diffusion  : هو عبارة عن انتشار تدريجي لظاهرة الجغرافية من مكانها الأصلي إلى أماكن أخرى , فالظاهرة المنتشرة تبقى وتزداد في مكانها الأصلي , وتظهر في مناطق جديدة بمرور الوقت فالانتشار الممتد يشتمل على نمو ملحوظ في أعداد منبتي الفكرة الجديدة واتساع المنطقة التي تنتشر فيها تلك الطريقة الجديدة أو الظاهرة الجغرافية ومن بين الأمثلة على هذا النوع من الانتشار هو تبني استعمال أنواع من البذور المحسنة الزراعية من منطقة إلى أخرى , ويمكن إن يأخذ الانتشار الممتد عدة إشكال من بينها الانتشار السريع \الساري contagius diffusion حيث إن هذا النوع من الانتشار يتحدد بعامل المسافة ويعتمد على الاتصال المباشر direct contact  وبهذا فان احتمال انتشار الظاهرة في الأقاليم القريبة أو المجاورة لمكان الظاهرة الأصلي ومن الأمثلة على هذا النوع من الانتشار هو ظاهرة انتشار الأمراض المعدية , وانتشار الإشاعات  rurnors والامتداد العمراني   urban expansionوانتشار الآفات الزراعية إما الشكل الأخر الذي يأخذه الانتشار الممتد فهو الانتشار المتسلسل hierachic diffusion  فهنا تتم عملية الانتشار منن المراكز العمرانية الكبيرة الحجم إلى المراكز العمرانية الصغيرة الحجم ومن الأمثلة على هذا النوع من الانتشار هو انتشار الاختراعات متعلقة بالأزياء الجديدة والسلع الاستهلاكية الجديدة من المدن المترو بوليتيه إلى المراكز العمرانية الأقل حجما ويطلق أحيانا على هذا النوع من الانتشار , الانتشار الشلالي cascade diffusion   حيث إن عملية الانتشار تتم من الأعلى إلى الأسفل أو من المراكز الكبيرة إلى المراكز  الصغيرة فمن المعروف إن المؤسسات التجارية والمصرفية تنتشر بشكل تسلسلي حيث إن تأسيسها يبدأ  في المراكز الحضرية الكبيرة قبل انتشار فروع لها في المراكز الحضرية الصغيرة الحجم ,
2- انتشار النقلي diffusion relocation  : يشير هذا النوع من الانتشار إلى إن الظاهرة الجغرافية المنتشرة تترك المنطقة التي نشأت فيها وتظهر وتثبت بمناطق جديدة واهم مايميز الانتشار النقلي على الانتشار الممتد هو إن الظاهرة المنتشرة لا يستمر تواجدها بمكانين مختلفين في وقت واحد ومن الامثلة على هذا النوع من الانتشار هو هجرة السكان من الريف الى المدن أو هجرة السكان البيض من المدن في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضواحي المدن الميتروبوليتية الامريمية ويمكن إن يأخذ الانتشار النقلي شكل الانتشار النقلي المتسلسل ويوضح هذا النوع من الانتشار , انتشار بعض مراكز النوادي الرياضية الأمريكية من مراكزها الأصلية إلى مدن أخرى بهدف تحسين عوائدها المالية وبغض النظر عن نوع الانتشار الذي اشرنا إليه سابقا فان عملية الانتشار المكاني للظواهر الجغرافية يمكن إن تتم من مراحل معينة ففي دراسة , هاجرستراند اقترح نموذجا يصف فيه مراحل الانتشار متخذه شكل موجات تدعى بموجات الانتشار وطبقا لنموذج هاجر ستراند فان عملية الانتشار تتم من خلال المراحل الأربعة التالية :
1- المرحلة الأولية primary stage  : يتم خلال هذه المرحلة بدأ انتشار الظاهرة الجغرافية أو الطريقة الجديدة بعد إن يتم تأسيس مراكز التبني وبالتالي يبدو خلال هذه المرحلة التباين الواضح فيما يتعلق بأعداد المتبنين للفكرة أو الطريقة الجديدة بين مراكز التبني والمناطق البعيدة عن المركز أو الوطن الأصلي للطريقة الجديدة .
2- مرحلة الانتشار diffusion stage  : وفي هذه المرحلة تتناقص التباينات الإقليمية regional contrasts  فيما يتعلق بنسبة المتبنين للطريقة الجديدة المنتشرة .
3- مرحلة التكثيف condensing stage  : وفي هذه المرحلة تتساوى نسبة الذين تبنوا الطريقة الجديدة أو الاختراع الجديد في جميع المناطق بغض النظر عن قرب او بعد المناطق عن الموطن الأصلي للطريقة الجديدة .
4- مرحلة التشبع saturaticn stage  : وتتميز ببطء حركة انتشار الطريقة الجديدة وتوقفها في نهاية هذه المرحلة , وفي هذه المرحلة أيضا تختفي التباينات الإقليمية في جميع إنحاء الوحدة الجغرافية التي انتشرت فيها الطريقة الجديدة .
محددات عملية الانتشار المكاني:
تتحدد استمرارية عملية الانتشار المكاني (موجات الانتشار )للظواهر الجغرافية والأفكار الجديدة بما يعترض في بعض الأحيان  من عوائق أو حواجز التي بدورها يمكن إن تحد من انتشار الظاهرة إن لم تعمل على إيقافها تماما ويمكن التميز بين ثلاثة أنواع من الحواجز التي لها دور باز في الحد من انتقال السكان وحركة البضائع والانتشار الأفكار الجديدة .
1- الحاجز الماص adsorbing barriers : هذا النوع من الحواجز يوقف عملية الانتشار (موجة الانتشار) تماما كما في الماضي لعب كل من المحيط الشاسع والصحراء الواسعة وسلاسل الجبال الوعرة مانعه أعاقت حركة السكان والبضائع والأفكار الجديدة ولاتزال الحدود السياسية المشتركة لبعض الدول تحول دون انتقال  السكان عبرها فجدار برلين كان حتى وقت قريب من نوع الحواجز الماصة الذي  حال دون انتقال الألمان الشرقيين إلى المانيه الغربية في الفترة الممتدة بين 1961-1989
2- الحواجز النفاذه  permeable barriers : فإنها تمتص قسم من طاقة موجة الانتشار ولكنها تسمح لباقي الموجه بالمرور من خلال  تلك الحواجز فالحدود السياسية تلعب في احيان أخرى كحواجز نفاذه تعمل على تقليل أو تنظيم انسياب الظاهرة الجغرافية (حركة السكان)من خلالها دون إن تمنعها تمام .
3- الحواجز العاكسة  reflecting barriers : يعمل هذا النوع من الحاجز على تحويل واعادتة توجيه موجة الانتشار نحو الاتجاه الأخر فالامتداد العمراني في بعض أحياء مدينة عمان ارتد نحو المناطق المنبسطة أو الأقل وعوره بدل من امتداد المباني فوق المناطق شديدة الانحدار
تعتبر الحواجز الماصة والنفاذة والعاكسة بأنها حواجز مكانيه   spatial barriers تؤثر تأثير قوي على حركة انتشار الظواهر الجغرافية غير إن هناك حواجز غير مكانيه non - spatial barriers  تؤثر أيضا على عملية الانتشار المكاني وابرز أنواع الحواجز غير المكانية الحواجز السيكولوجية   psychological barriers  إن تبني أو عدم تبني  طريقه زراعيه جديدة أو أنواع محسنه من البذور يرتبط بشكل أساسي باستعداد المزارع بالمخاطرة لتبني هذه ألطريقه الزراعية الجديدة لما يترتب عليها من ربح أو خسارة أما الحواجز الحضارية cultusal barriers  فتتعلق بالنواحي الدينية واللغوية والسياسية فانتشار طرق تحديد النسل إن يكون من المستحيل إن يتم تبنيها من قبل الأسر الاتي لا تسمح لها معتقداتها الدينية بذلك وفيما يتعلق بالنتائج المترتبة على عملية الانتشار المكاني بالظواهر الجغرافية على اللاندسكيب بمنطقه ما فيمكن توضيحها من خلال انتشار ظاهرة إنشاء الإنفاق مما ترتب على ذلك من تغير في درجة قرب الأماكن التي تقع على طول شبكة الإنفاق كما إن انتشار ظاهرة النقل بالسيارات دفع الحكومات والمؤسسات ذات العلاقة باتخاذ قرار يقضي بإنشاء شبكة طرق حديثه كما خلق التوسع في إنشاء المزيد من الطرق ظهور المزيد من الضواحي السكنية حول المدن الكبرى فضواحي المدن الامريكيه تتركز في سكان  أكثر من أواسطها التي فقدت الكثير من سكانها بعد إن استقر في ضواحيها .   

لتحميل الموضوع Doc
بقلم

أ.د. جهاد محمد قربة
المصدر: جامعة أم القرى




هل أعجبك الموضوع قم بنشره ؟

انظمو معنا لصفحة الجغرافيا التطبيقية على الفايسبوك