البعد الاقتصادي للجهوية

البعد الاقتصادي للجهوية



 د. عبد الرحمن الصديقي
      إذا كانت المدينة تشكل وحدة ترابية قائمة بذاتها لها حدود قائمة وشكل وأبعاد هندسية ومعمارية وجمالية، فإن الجهة تعتبر، على العكس من ذلك، وحدة ترابية مجردة وغير محسوسة. لا شيء ينبهنا خلال انتقالنا مجاليا بأننا تجاوزنا تراب جهة معينة ودخلنا في تراب جهة أخرى. أول من تحدث عن الجهة كوحدات جغرافية أو بيوجغرافية هم الجغرافيون، وذلك منذ قرون خلت، إلا أن موضوعها سيستهوي بعد ذلك تخصصات متعددة من قبيل الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد والإدارة والسياسة وغيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية.

أولا: حول الجهة والجهوية
    الجغرافيون هم أول من قال بالجهة باعتبارها تتمتع بتجانس ترابي واستمرارية مجالية لمكوناتها الطبيعية والبشرية. فالجهة الجغرافية هي بذلك تعبر عن طبيعة قائمة. أما الجهوية التي نتناولها في مداخلتنا اليوم فهي إرادية بشرية، سياسية، إدارية، اقتصادية ... وهي بذلك تركيب حديث مرتبط بالدولة الحديثة ولا يمكن بأي حال من الأحوال خلطه بالأشكال التي عرفت في أشكال الدول التقليدية. وقد ظهر في أوروبا وأمريكا في أشكال متعددة ومتنوعة إما بهدف اقتصادي وتنموي يسعى إلى تحقيق العدالة المجالية بين جهات البلد الواحد أو بهدف سياسي يتوخى امتصاص الخلاف (عدم التجانس الاجتماعي) في إطار اختلاف الخصوصيات الجهوية. في كثير من الدول بدأت الجهوية اقتصادية ثم تحولت إلى جهات إدارية لتصير في آخر المطاف سياسية كما حصل في فرنسا مثلا وكما هو الأمر كذلك بالنسبة للمغرب.
    ففي فرنسا مثلا ظهرت الجهة مباشرة بعد التحرير من قبضة النازية. وكانت الجهات بمثابة مقاييس ترابية تهدف إلى تأطير تدخل الدولة لإعادة إعمار المناطق المنكوبة وإدماج المناطق التي ظلت إلى هذا  التاريخ بعيدة عن ركب التنمية. وقد حرص المشرع الفرنسي أثناء تقطيعه للجهات على احترام الخصوصيات الترابية للجهات المنشأة حتى لا تعمل البيروقراطية على عرقلة مشاريع التنمية، بل أن تصاحبها وتسهل لها الطريق.  ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن المشرع الفرنسي احترم في تقطيع البلديات والمقاطعات، الذي تلا الثورة الفرنسية، عامل القرب باعتبار البلدية مدرسة للديمقراطية (على حد قول توكفيل) تعمل على تربية حس المواطنة لدى الرعية وتعمل كذلك على تثبيت حضور الدولة من خلال إداراتها ورموز سيادتها. أما الجهات فحاولت احترام عامل التواصل والتفاعل وبدرجة أقل التجانس الترابي (الطبيعي والبشري) لما لذلك من وقع على التنمية. المجالات-المجتمعات التي تتواصل وتتفاعل تكون قادرة على بلورة مشاريع (تشارك) من شأنها أن تحقق التنمية المنشودة. لهذا السبب بنيت الجهات الفرنسية على الإرث التاريخي: جهة البروفانس نسبة إلى مملكة البروفانس، وجهة البوتان نسبة إلى مملكة البروتان وغيرها. القناعة هي أن سكان هذه الجهات يتعارفون بفعل التاريخ والطبيعة والمجتمع فهم قادرون على بلورة مشاريع تنموية.
    الجهة الاقتصادية إذن جاءت لتحقيق العدالة المجالية كسبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية، فهي بذلك مرتبطة بإعداد التراب أو ما سمي في مرحلة ثانية بتنمية التراب ثم في مرحلة أخيرة بتنافسية التراب في إطار أقطاب التنافسية الترابية.

    الجهات الاقتصادية تم ترسيخها في مرحلة ثانية في إطار ما سمي بالجهات الإدارية  والتي عملت على نقل مجموعة من صلاحيات الدولة إلى مؤسسات الجهة في إطار اللامركزية واللاتركيز الذي واكب مرحلة دخول الدولة الكينزية الحديثة في أزمة وجودية بسبب قلة مواردها المالية وعدم تمكنها من تحقيق الرفاهية للمجتمع مقابل السلم الاجتماعي. كثير من الدارسين انتقدوا هذا الشكل من الجهوية باعتبارها لا تشكل إلا هروبا للدولة أمام التزاماتها المجتمعية والترابية باسم الديمقراطية المحلية: في وقت أصبحت الدولة نفسها غير قادرة على تحقيق المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية لرعيتها، فكيف للجهات كجماعات محلية أن تحقق هذا الهدف؟
    أما الشكل الأخير للجهوية، فهو الشكل السياسي الذي بدأ يتجذر في كل البلدان بفعل عودة الهوية الترابية بقوة (بأشكالها المتعددة: الدينية والإثنية واللغوية...) كرد فعل طبيعي عن هذه العولمة التي لم تتم بنفس الحدة على كل اختلاف المستويات المالية والاقتصادية والثقافية ... الجهوية السياسية في هذا الصدد سبيل لامتصاص الاختلاف في إطار الوحدة.
ثانيا: علاقة الجهة بالتنمية الاقتصادية في المغرب
لقد وقع خلط في المغرب أثناء تقسيم الجهات، بحيث لم تكن التنمية الاقتصادية أولى الغايات للمشرع المغربي، ولا أدل على ذلك الجغرافيا الحالية للجهات، فهي ليست جهات ترابية (كما هو الشأن في فرنسا واسبانيا)، بل هي جهات أقاليم: جهة طنجة – تطوان، جهة تازة ـ الحسيمة ـ تاونات، جهة مراكش ... وإذا استحضرنا ما قلناه سالفا بخصوص تقطيع البلديات والمقاطعات في فرنسا وكذا مقولة توكفيل، ستكون الجهات بمثابة عمالات وأقاليم ممتازة ليس إلا، وهي بذلك تشكل امتدادا طبيعيا للأقاليم والعمالات في وظائف حضور الدولة بهدف المراقبة والإدارة والأمن.
   "أدم سميث" والاقتصاديون الليبراليون الذين جاؤوا من بعده كانوا يقولون بضرورة انسحاب الدولة لصالح المبادرة الحرة، لأن الحضور القوي للدولة يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد، وإذا كانت التنمية لا تتأتى إلا من خلال الرواج الاقتصادي، فإن هذا الهدف يصبح صعب المنال في إطار الجغرافيا المحلية للجهات بالمغرب.
    ينضاف إلى هذا العامل، عامل آخر لا يقل أهمية وهو عدم اعتبار البعد الترابي أثناء التقسيم. أغلب أقاليم الجهات لا تشكل وحدات ترابية قابلة لصياغة مشاريع ترابية كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا مثلا، إما لعدم تواصلها اجتماعيا (وجود مكونات لغوية وإثنية لم يكن لها تاريخا مشتركا)  واقتصاديا (عدم وجود تكامل اقتصادي من حيث نوعية الإنتاج السائد) أو لوجود حواجز طبيعية (جبال، ثلوج، وديان ...) تمنع التواصل والتعارف والتشارك ومن ثم تمنع التنمية.

    إن جهة الحسيمة – تازة - تاونات تلخص لوحدها كل هذه المتناقضات: تخصصات اقتصادية غير متكاملة وفي كثير من الأحيان متناقضة، صعوبة بل استحالة الاتصال في بعض الأحيان، تركيبات اجتماعية لا تتواصل ولا تتقاسم مصالح مشتركة... كل هذا من شأنه أن يؤدي إلى النتيجة التي نعرفها وهي المكانة التي لا تحسد عليها هذه الجهة، من حيث خريطة الفقر ونسبة التصنيع والدخل الفردي الخام وغيرها من المؤشرات التي تدخل في احتساب مؤشر التنمية الاجتماعية والتنمية البشرية.  
أظن أن الكل أصبح اليوم واع بهذه المسألة على كل المستويات. المخطط الوطني لإعداد التراب وهو أعلى وثيقة تؤطر مسألة التنمية في بلادنا، لم تتخذ من الجهات الحالية مقاييس ترابية للتنمية لسبب بسيط وهو استحالة تحقيق التنمية في مجالات لا تتفاعل فيما بينها. وقد استبدلها بالثنائية القطبية وفي كثير من الأحيان نجد بأن الأقطاب التي اختيرت لهيكلة التراب لا تنتمي لنفس الجهة،  بل لأكثر من جهة كما هو الشأن بالنسبة للثنائية القطبية فاس - مكناس وأكاديرـ الصويرة وخريبكة ـ بني ملال.

ثالثا: تقييم التجربتين المغربيتين للجهوية من حيث التنمية
عرف المغرب كما نعرف تجربته الجهوية الأولى في 1971 وهي التجربة التي قسمت البلاد إلى سبع جهات اقتصادية اعتبرت بمثابة إطارات ومقاييس ترابية لتدخل الدولة من أجل تنمية البلاد.

    هذه الجهات لم تكن تشكل وحدات ترابية متكاملة. أكثر من ذلك، فإن المنطق الذي تحكم في التقسيم لم يكن بريئا إذ كان يسعى بدرجة أولى إلى طمس الحقيقة الترابية بخصوص التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا، اختيرت العواصم الجهوية بكثير من العناية وتم جمع مناطق جد مهمشة مع مناطق استفادت من إرث تنموي تاريخي لدرجة جعلت الإحصاءات لما تقدم على أساس التقطيع الجهوي تظهر وجود توازن عام بين الجهات السبع. أما الحقيقة فكانت غير ذلك، بحيث نجد جل الاستثمارات والإنتاج يتمركز في العواصم الجهوية على حساب المجالات التابعة لها. فبخصوص جهة فاس مثلا وهي التي تهم مجال تواجدنا اليوم كانت كل التنمية متمركزة في المركز على حساب المحيط.
أما التقسيم الثاني أو تقسيم 1997 فقد ولد ميتا من حيث الغاية التنموية. عمل المشرع على خلق 16 جهة إطار فوق العمالات والأقاليم من دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الترابية، ومن دون اعتبار الإمكانيات البشرية والمادية لهذه الإطارات حتى تقوم بدورها كاملا بخصوص التنمية.

نسمي هذه الجهات اصطلاحا بالجهات الإدارية ولكن الحقيقة غير ذلك، فمن حقنا التساؤل هنا ماذا تدير هذه الجهات؟ المواطن، بل حتى المنتخبين أنفسهم لا يعرفون صلاحياتها ومجموع موظفيها على امتداد خريطة البلد لا يتجاوز 280 على أحسن تقدير حسب الدكتور بودرا رئيس جهة الحسيمة ـ تازة ـ تاونات. 
بعد أكثر من 13 سنة من التجربة يلاحظ بأن الجهوية الإدارية لم تؤد إلى التنمية والعدالة المجالية، إما لعدم اتضاح دور الجهة في التنمية (النصوص غامضة ولا نعرف ما إذا كانت الجهة مبادرة أم فقط مصاحبة للتنمية خاصة في غياب الإمكانيات) أو لغياب البنيات التحتية الضرورية الواجبة لقيام استثمارات جهوية أو في أحيان أخرى لغياب النخب المحلية والجهوية الواعية بتعقيدات المساطر وتداخل الاختصاصات حتى تحول الخلل لمصالح محلية وجهوية.
    بالنظر إلى الجدول التالي، نلاحظ بأن الجهوية لم تعمل على تنمية الجهات المهمشة، كما لم تعمل على تخفيف الثقل الاقتصادي لمحور الدار البيضاء. الجهات التي استفادت من التنمية كجهة طنجة ـ تطوان هي المجالات التي استفادت من الوقع الإيجابي للمشاريع المهيكلة الكبرى كميناء طنجة المتوسطي والمناطق الصناعية الحرة التي انخرط فيها بلدنا ابتداء من 2003، بعد أن تبين بأن سياسة المخططات الخماسية لم تحقق البرامج المسطرة.

    أكثر من ذلك، فإن الثقل الصناعي في البنية الاقتصادية الجهوية تراجع في جهات: الحسيمة ـ تازة تاونات وجهة تادلة ـ درعة.
   الثقل التاريخي لازال قويا على الجغرافيا السوسيواقتصادية للجهات، ولا زلنا نميز بين الجهات الفلاحية والجهات الصناعية والجهات غير الواضحة التخصصات الاقتصادية، وذلك بالرغم من 40 سنة من الجهوية ببلادنا. خريطة الجهات هاته هي التي تتحكم في توزيع الخيرات من خلال الدخل الفردي الخام وخريطة الفقر بالبلاد.

رابعا: نواقص الجهوية الحالية من حيث التنمية
      إن الجهوية كي تؤدي مهامها التنموية يجب أن تبنى على أسس علمية سليمة  استفادت من التجارب السابقة في البلاد وكذا من تجارب البلدان الأخرى. بالنظر إلى تجارب الجهوية بالمغرب يمكن تحديد النواقص التي غيبت عنها فرص التنمية في النقاط التالية:
•    غياب التجانس والتكامل بين المجالات المنتمية لنفس الجهة مما يعقد مهمة التشارك لخلق مشاريع اقتصادية تنموية.
•    غياب التواصل والتفاعل بين الفاعلين المنتمين لنفس الجهة لتباين مشاغلهم واهتماماتهم بسبب غياب التجانس والتكامل.
•    تداخل الاختصاصات بين المجالس والجماعات المحلية المختلفة من الجهوي إلى المحلي فيما يخص عملية التنمية. زد على ذلك عدم وجود نصوص قانونية واضحة تحدد الاختصاصات ومهام الجهة. 
•    عدم القدرة على تجاوز جهة الأقاليم كوحدات إدارية واقتصادية واجتماعية قائمة بذاتها غالبا ما تتناقض مصالحها مع مصالح الجهة. 
•    غلبة الحسابات الكمية على المحتويات الكيفية (الإحصاءات على المستوى الجهوي تخفي الفوارق التحت ـ جهوية) على الرغم من أن التنمية تقاس قبل كل شيء بمدى رفاهية المجتمع.
•    تداخل الأهداف بين اللوبيات الانتخابية والاقتصادية مما يجعل مسألة التنمية لا تكون في المقام الأول لاهتمامات الساهرين على الشأن المحلي.
•    غياب لامركزية ولا تركيز واضحين على مستوى الجهات فيما يخص المسألة الاقتصادية والاستثمارات. إلى حدود اليوم لم تستطع المراكز الجهوية للاستثمار أن تفرض نفسها كمخاطب واحد ووحيد للاستثمارات الجهوية.
•    غياب الإمكانيات المادية ( تحويلات نسب مضافة إلى ضرائب محلية مع العلم بأن بعض الجهات توجد في حالة اقتصادية سيئة تنعكس سلبا على حجم التحويلات التي تعود إليها.
•    غياب أبناك جهوية ذات توجه استثماري وتنموي جهوي.
خلاصة وتوصيات 
•    يحب أن تكون الجهوية الموسعة كاملة مكتملة تتوفر فيها كل معايير الجهة الذكية يراعي فيها التقطيع الأهداف المنتظرة من كل جهة: هدف سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ...  بعيدا عن كل الحسابات الضيقة ثقافية كانت أو إثنية أو سياسوية أو غير ذلك.
•    لا يجب أن تصبح الجهوية الموسعة سببا في الخلاف باسم الاختلاف خاصة وأن التجارب على المستوى العالمي أثبتت بأن الإصلاحات السياسية حين تسبق الغايات التنموية تؤدي إلى عكس الأهداف المتوخاة. 
•     لا يجب أن تنسحب الدولة باسم الجهوية الموسعة وتترك الجهات في تنافسية مفتوحة لأن ذلك سيؤدي إلى تفاوتات خطيرة بخصوص التنمية بين الجهات. في زمن العولمة والتنافسية الترابية ستعمل الجهات التي تتوفر على سبق تاريخي في ميادين التصنيع والتعليم والتجهيزات التحتية على تقوية حظوظها في استقطاب المقاولات التي تعمل بدورها على تنويع ورفع مداخيل يتم توظيفها في تقوية حظوظ الجهة التنافسية والاستقطابية على حساب الجهات الفقيرة التي ستدخل في دوامة قد لا تخرج منها أبدا. الكل يعرف لماذا تفضل المقاولات الاتجاه نحو الدار البيضاء حتى وإن كانت ستؤدي ضرائب أكبر من مناطق أخرى داخل البلد، بما أنها ستسترجعها في الأرباح التي ستجنيها. 
…………………………………………..……..
- مركز الدراسات حول الحكامة المحلية والتنمية المستدامة كلية الحقوق – طنجة.
ـ المصدر: منشور أشغال اليوم الدراسي حول "الجهوية الموسعة" المنظم بالحسيمة يوم 14/02/2010 من طرف الأمانة الجهوية: تازة، الحسيمة، تاونات، جرسيف لحزب الأصالة والمعاصرة. 
المصدر العام: مدونة القانون المغربي

تحميل هذا الموضوع




هل أعجبك الموضوع قم بنشره ؟

انظمو معنا لصفحة الجغرافيا التطبيقية على الفايسبوك