الأسر النهري

الأسر النهري



يؤدى نمو النظم النهريه المتجاوره ، التى تستقى مياهها من مناطق تقسيم مياه مشتركه، إلى أن يصبح نهر منها أعظم وأقوى من جيرانه ، وبمرورالزمن يصبح هذا النهر هو النهر السيد أو السائد Master-Stream فى المنطقه .

وهو يصل إلى عنفوانه هذا عن طريق تراجع منابعه ( تراجع خطوط تقسيم المياه ) من جهه ، وبواسطه تحويل أجزاء من النظام النهرى المجاور إلى حوضه من جهه أخرى . وتعرف الظاهره الاخيره بالاسر النهرى River Capture أو القرصنه النهريه River Piracy .
ويحدث الاسر النهرى حينما يتمكن النهر السيد الاقوى من دفع خطوط تقسيم المياه ونحرها صعدا ، وذلك عن طريق النحت التراجعى أو النحت الصاعد . وما يزال النهر السائد يعمق مجراه ، وينحت تراجعيا صاعدا مخترقا منطقه تقسيم المياه ، حتى يصل إلى منابع النهر الضعيف المرتفع القاع فيأسرها . وتتحول مياهها إليه وتبعا لذلك تزداد قدره النهر الآسر السيد . وعند مكان الاسر (أى مكان تحويل المياه إلى النهر الاسر ) توجد فى العاده حينة واضحه المعالم تعرف بعلامه الاسر أو كوع الاسر Elbow of Capture، وينكمش النهر المبتور الرأس Beheaded الذى فقد منابعه ، ويصبح اصغر حجما بالنسبه لواديه الضامر ، ويصبح منبعه بعيدا عن كوع الاسر ، تاركا جزءا جافا من واديه القديم (قبل الاسر) يعرف بالثغره الجافه Dry Gap ( أو ثغره الريح Wind Gap ) ويحدث الاسر النهرى على الخصوص فى أقاليم الحافات المتعاقبه ، حيث تستطيع الانهار التاليه المتعامده على مجارى الانهار التابعه أن تنحت تراجعياعلى امتداد نطاقات الصخور اللينه القليله المقاومه للتعريه كالصخور الصلصاليه ، ومن ثم تاسر منابع الانهار المجاوره ، وتنشئ شكلا من أشكال التصريف النهرى يسمى " التصريف المتشابك أو المشبك Trellised " ، يبدو هنا على جانب كبير من التعقيد .

الاسر النهري والتصريف المتشابك

ويظهر الشكل عمليه الأسر النهرى فى ابسط صورها . فالنهر القوى التابع  يشق طريقه فى طبقات صخريه متفاوته الصلابه والمقاومة .
الاسر النهري


     وتمكن رافد تال من روافده الفتيه أن ينحت تراجعا " صعدا " على امتداد مكاشف صخريه ضعيفه غير مقاومه ، وبمرور الزمن اقترب من نهر تابع ضعيف فنزلت مياه النهر التابع الضعيف إلى النهر التالى القوى ، وينشأ عن ذلك تكوين كوع الاسر . ويضمن الجزء الادنى من النهر التابع الذى فقد منابعه العليا وهو النهر الذى أصبح صغير بالنسبه لواديه والذى يعرف بالنهر الضامر Misfit وتبدو عمليه الاسر النهرى حسبما وصفنا سهله التميز . والواقع أن عمليات الاسر النهرى التى من النمط السابق شرحه اقل شيوعا مما كان يعتقد .
فالدراسات الحقليه تظهر أن عمليات الاسر النهرى غالبا ما تكون أكثر تعقيدا ، وتكون محلا للجدال والنقاش بين الدارسين .
ولاشك أن الامر يتطلب ظروفا خاصه ينبغى أن تتوافر قبل ما يستطيع نهر ما تحويل مياه نهر آخر إليه . ولعل أهم ما يجب أن يتوفر للنهر الآسر أن يكون قد نحر مجراه إلى عمق أدنى بكثير من مستوى عمق ضحيته . وليس من السهل دائما ان نتصور كيف يتم ذلك على الاقل فى المثال التقليدى الذى سبق توضيحه بالشكل 17 والكلمه . فكل الأنهار تتميز بإنحدارات كبيرة نزلا صوب البحر الذى يمثل مستوى قاعده عاما للتعريه النهريه .
ففى الانهار التى تجرى فوق صخور متجانسة ، ولها أحواض ومنابع متماثله ، تكون انحدارتها متشابهه أيضا ، ولا نتصور أن يكون الفرق بين انحدار نهرو آخر كبيرا وتبعا لذلك ففى المثال الذى سقناه لايكون الفرق بين مستوى قاع النهرين أ ، ب ، عند النقطه التى يحدث فيها الاسر أ ضف إلى ذلك أن النهر التالى ( الذى سيقوم بعملية الأسر ) ينبغى أن يكون له انحدار كاف ليصب فى النهر " القوى " ( أ ) الذى يرفده ومن ثم فقاعه لابد ان يكون مرتفعا، وجزؤه الاعلى الذى سيتصل بالنهر " الضعيف " (ب) لاشك سيكون مرتفع القاع ، حتى ليعلو قاع النهر الضحيه (ب) وفى مثل هذه الاحوال يصير الاسر وتحويل مياه النهر التابع (ب) إلى النهر التابع (أ) مستحيلا .
وهناك مثال طيب لتوضيح هذه المسأله . فأهم نهرين ينصرفان نحو الجنوب خلال الاقليم الطباشيرى بوسط جنوب إنجلترا هما ايفون Avon وتيست Test ، ولا فرق كبير بينهما فى مساحه الحوض وفى حجم التصريف المائى . وتتواجد ظروف مواتيه جدا فى منطقه جنوب شرق ساليسبورى Salisbury لكى يأسر نهر تيست نهر ايفون . فلقد تمكن رافد تال لنهر تيست من إطالة مجراه تراجعيا تجاه الغرب جنوب نهر ايفون .ويبدو من الخريطه بوضوح الخطر المحدق بنهرايفون من الاسر بواسطه هذا الرافد . لكن الحقيقه ان الفرصه غير مواتيه على الاطلاق لحدوث الاسر فى المستقبل المنظور ، لان الرافد التالى أعلى مستوى من نهر ايفون بنحو 50 مترا .
ومن هذا نرى انه لكى يحدث الاسر النهرى لابد ان تتاح الفرصه لاحد النهرين لكى ينحت ويعمق مجراه إلى مستوى ادنى بكثير من مستوى مجرى النهر المجاور.
ومثل هذه الفرصه لايمكن أن تسنح الابوجود تضاريس معينه او ظروف جيولوجيه معلومه لا نلاقيها فى كل الاقاليم .ونرى أمثله للاسر النهرى من هذا القبيل لكن على نطاق ضيق نوعا فى جنوب إنجلترا ، ويرتبط الاسر النهرى هنا بواجهات الحافات ، فالانهار الضحيه تجرى عاليه فوق منحدرات الميل الطبقى ، ونحرها هنا بواجهات الحافات ، فالانهار الضحيه تجرى عاليه فوق منحدرات الميل الطبقى ، ونحرها هنا محدود بسبب الصخور السفلى الصلبه المقاومه بينما تقل المياه الجاريه فيها بسبب تسربها فى الطباشير العلوى الذى تجرى خلاله . وعلى العكس من ذلك تجرى الانهار الآسره خلال مكاشف من الصخور الضعيفه عند قاعده واجهه منحدرات الحافه ، ومن ثم فلها ميزه الفرق فى الارتفاع الذى يتراوح بين 70 ـ 100 متر . وتستطيع أنهار اسفل الحافه ( أنهار تاليه ) عن طريق النحت الصاعد أحيانا اقتحام الحافه ، وتأسروتحول اليها المجارى العليا لانهار منحدرات الميل .
وهناك امثله اخرى للاسر النهرى على نطاق أوسع فى الهوامش الشماليه لحقل فحم جنوب ويلز ، مهد لها وساعد حدوثها ظروف بعضها يختص بطبيعه السطح حيث يشد من ازر النهر الاثر انحدار شديد يساعد على نحت صاعد وتعميق تراجعى مؤثر يفوق النهر المأسور ، وبعضها الآخر يختص بخطوط الضعف الجيولوجى كنطاق تكسر ، وصخورلينه ضعيفه غير مقاومه. ويتضح مما سبق ان ظاهره الاسر النهرى ليست سهله البنيات ويجب عند تمييزها استجلاء أسباب وجيهه لحدوثها ، وإظهار الشواهد والادله المقنعه لوجودها . ويلزم ذلك على الخصوص فى المناطق التى تتصف بتجانس التكوين الجيولوجى ، حيث يندر جدا تواجد ميزه النحر والتعميق الشديدين لنهر دون أخر ففى الاقاليم التى ترتكز على نوع واحد من الصخور ، سواء كان طباشيريا او جيريا أو رمليا أو صلصاليا فى هيئه مستقره لم يصبها اضطراب تكتونى بالالتواء أو الانكسار ، فان نمط التصريف المائى لاينتابه التغير بمرور الزمن الاقليلا . وفضلا عن ذلك ، فان الاسر النهرى لاينبغى النظر اليه "كحدث عادى فى نضال حقيقى بين الانهار من اجل البقاء " كما يقول وولدريدج ومورجان Wooldridge and Morgan وانما كحادثة استثنائيه محدودة ، وذلك فى مناطق الصخور المنفذه ، حيث يعاق النحت الصاعد بانخفاض منسوب الماء الباطنى ، وتمزيق الاجزاء العليا من الاوديه .
وتتعقد دراسه الاسر النهرى بواسطه التباين فى طبيعته الميكانيكه الفعليه لعمليه الاسر وتحويل المياه من نهر الى اخر . ويمكن تميز أربعه أنماط من الاسر باستخدام المعنى الواسع لمصطلح الأسر النهرى .
وهذه الانماط الاربعه كما يلى :ـ
1 ـ الاسر النهرى فى ابسط صورة ، وتحويل المياه السطحيه فى منطقه تتألف من صخور صماء غير منفذه من نهر الى آخر او حيثما يكون منسوب الماء الارضى مرتفعا ، فيه يحتفظ النهر الضحيه (الذى سيؤسر ) بجريانه حتى لحظه تحويل مياهه الى النهر الآسر .

2 ـ يحدث الاسر النهرى عن طريق تجريد النهر المأسور من مياهه بالتسرب ثم التحول تحت سطح النهر الاسر الأدنى مستوى ويحدث ذلك فى مناطق الصخور المنفذه ، فقد يسبق التحويل السطحى من نهر لاخر بتجريد تحت سطحى Underground Abstraction لمياه النهر الذى سيؤسر ، ويكون ذلك من الوضوح بحيث انه قد يجف النهر المأسور ويختفى تحت السطح ابتداء من نقطه التحويل السطحيه الممكنه . وباستمرار امتصاص النهر الآسر لمياه النهر المأسور المتسربه من قاعه الاكثر ارتفاعا ، يزداد النهر الآسر قوة وقدرة على النحت بينما يزداد النهرالمأسور ضعفا على ضعف .
3 ـ هجرة خط تقسيم المياه ، وهذا نوع من الاسر النهرى لا يصاحبه علامه من علاماته مثل كوع الاسر أو النهر الضامر 
وهنا ينضم جزء من منابع نهر الى منابع نهر اخر دون تحويل مجارى سطحيه وتنشأ هذه العمليه نتيجه خطوط تقسيم المياه ، وتكون شائعه الحدوث حيثما تنبع نظم التصريف النهرى من منطقه تقسيم مياه مشتركه ، وتجرى منها فى اتجاهات متضاده . وتكثر على الخصوص حيثما كانت المنطقه مكونه من صخور متجانسه ويكون انحدار احد الانهار اكبر من غيره وبالتالى يملك طاقه نحت رأسى أكثر فاعليه .

4 ـ الاسر الجانبى السطحى ويحدث حينما يتجاوزجريان انهار متوازيه .
فاذا تمكن احد هذه الانهار من النحت والتعميق اسرع من جيرانه الاقربين ربما لانه نجح فى اقتحام طبقه ضعيفه او جرى بامتداد خط عيبي أو بطول 
فاصل ، فان باستطاعته حينئذ أن يوسع واديه جانبيا ويحتوى أنهارا مجاوره له كما يتضح من الشكل رقم.

ولعله من المفيد وقد وصلنا الى هذا الحد ، ان نذكر بايجاز خصائص العلامات المورفولوجيه الناجمه عن الاسر ، ونناقش بعضا من مشاكل التقويم التى ترتبط بهذه العلامات او الظواهر .


هل أعجبك الموضوع قم بنشره ؟

انظمو معنا لصفحة الجغرافيا التطبيقية على الفايسبوك